فصل: من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {إن ربك هم أعلم من يضل عن سبيله وهو أعمل بالمهتدين} وفى سورة النجم: قوله تعالى: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} بزيادة الباء في {من} من قوله: {بمن ضل عن سبيله} وكذا في سورة القلم بخلاف الأخريين {ضل} ففى هذا سؤالان: أحدهما زيادة الباء في آيتى النجم والقلم ويقوطهما في الأنعام والثانى ورود الماضى في آيتى النجم والقلم وورود المضارع في الآية الأنعام.
والجواب عن الأول أن سقوط الباء الداخلة على {من} في آية الأنعام إنما ذلك والله أعلم لاستثقال زيادتها مع الزيادة اللازمة للمضارع مع التقارب إيثارا للإيجاز أما آيتا النجم والقلم فلا زيادة في الفعل لكونه ماضيا فزيد باء التأكيد الداخلة على {من} ويشهد لهذا اطراد زيادتها في الآيتين لورود الماضى فيهما بخلاف آية الأنعام.
والجواب عن الثانى: أن آية الأنعام قد اكتنفها من غير الماضى من الأفعال والإعلام بما يكون قطعيا أو يتوقع في المآل ما يقتضى المناسبة في النظم ولو ورد غير الماضى هنا لما ناسب ولا لاءم، أما آية النجم فمبنية على مطلع السورة في قوله تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى}، فقال تعالى مشيرا إلى حالهم: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} فبرأ نبيه صلى الله عليه وسلم مما نسبوا إليه وأثبت ذلك بكناية وتعريض أوقع في نفوسهم من الإفصاح بتعيينهم وأما آية القلم فإنه لما تقدم فيها قوله تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} وقوله تعالى: {فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون} تهديدا لهم وتعريفا بكذبهم في قولهم حين نسبوه إلى الجنون أعقب ذلك بقوله تعالى: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} فسجلت هذه الكناية بضلالهم وكذبهم وتناسب هذا كله أوضح تناسب. اهـ.

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}
تقاصرت علومُ الخَلْق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عَرَّفهم من أمره، والذي لا يخفى عليه شيءٌ فهو الواحدُ- سبحانه. اهـ.

.من فوائد الشوكاني في الآيات:

قال رحمه الله:
{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}
قوله: {أَفَغَيْرَ الله} الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على فعل مقدّر، والكلام هو على إرادة القول، والتقدير: قل لهم يا محمد كيف أضلّ أوابتغى غير الله حكمًا؟ وغير مفعول لأبتغي مقدّم عليه، وحكمًا المفعول الثاني أو العكس.
ويجوز أن ينتصب {حكمًا} على الحال، والحكم أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة، أمره الله سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه، من أن يجعل بينه وبينهم حكمًا فيما اختلفوا فيه، وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم، وجملة: {وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلًا} في محل نصب على الحال، أي كيف أطلب حكمًا غير الله، وهو الذي أنزل عليكم القرآن مفصلًا مبينًا واضحًا، مستوفيًا لكل قضية على التفصيل؟ ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أهل الكتاب، وإن أظهروا الجحود والمكابرة، فإنهم يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بما دلّتهم عليه كتب الله المنزلة، كالتوراة والإنجيل، من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء، و{بالحق} متعلق بمحذوف وقع حالًا، أي متلبسًا بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، ثم نهاه الله عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق، أو نهاه عن مطلق الامتراء، ويكون ذلك تعريضًا لأمته عن أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من يصلح له، أي فلا يكوننّ أحد من الناس من الممترين، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خطابه خطاب لأمته.
قوله: {وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا} قرأ أهل الكوفة {كلمة} بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، والمراد بالكلمات العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد.
والمعنى: أن الله قد أتمّ وعده ووعيده، فظهر الحق وانطمس الباطل.
وقيل: المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن، و{صِدْقًا وَعَدْلًا} منتصبان على التمييز، أو الحال، على أنهما نعت مصدر محذوف، أي تمام صدق وعدل {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به، والجملة المنفية في محل نصب على الحال، أو مستأنفة {وَهُوَ السميع} لكل مسموع {العليم} بكل معلوم.
قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن في الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله} أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من في الأرض أضلوه، لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين، وهم الطائفة التي لا تزال على الحق، ولا يضرّها خلاف من يخالفها، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بالأكثر: الكفار.
وقيل المراد بالأرض: مكة أي أكثر أهل مكة، ثم علل ذلك سبحانه بقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} أي ما يتبعون إلا الظنّ الذي لا أصل له، وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى الله: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي وما هم إلا يخرصون، أي يحدسون ويقدّرون، وأصل الخرص القطع، ومنه خرص النخل يخرص: إذا حزره ليأخذ منه الزكاة، فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به، إذ لا يقين منه.
وإذا كان هذا حال أكثر من في الأرض، فالعلم الحقيقي هو عند الله، فاتبع ما أمرك به، ودع عنك طاعة غيره، وهو العالم بمن يضلّ عن سبيله ومن يهتدي إليه.
قال بعض أهل العلم: إن {أَعْلَمُ} في الموضعين بمعنى يعلم، قال: ومنه قول حاتم الطائي:
فحالفت طيّ من دوننا حلفا ** والله أعلم ما كنا لهم خولا

والوجه في هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر، فتكون من منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائبًا عنه.
وقيل: إن أفعل التفضيل على بابه والنصب بفعل مقدّر.
وقيل: إنها منصوبة بأفعل التفضيل، أي إن ربك أعلم أيّ الناس يضلّ عن سبيله، وقيل: في محل نصب بنزع الخافض، أي بمن يضلّ، قاله بعض البصريين.
وقيل: في محل جرّ بإضافة أفعل التفضيل إليها.
وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {مُفَصَّلًا} قال: مبينًا.
وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {صِدْقًا وَعَدْلًا} قال: صدقًا فيما وعد، وعدلًا فيما حكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نصر السجزي في الإبانة، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله: {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} قال: لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والآخرة لقوله: {مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ} [ق: 29].
وأخرج ابن مردويه، وابن النجار، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} قال: لا إله إلا الله وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة، ومعه مخصرة، ولكل قوم صنم يعبدونه، فجعل يأتيها صنمًا صنمًا ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، فكلما طعن صنمًا أتبعه ضربًا بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجًا من المسجد، والنبيّ يقول: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدّلِ لكلماته وَهُوَ السميع العليم}. اهـ.

.من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا}
بَيَّنَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ، أَنَّ مُقْتَرِحِي الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَمُوا بِاللهِ مُجْتَهِدِينَ فِي أَيْمَانِهِمْ مُؤَكِّدِينَهَا قَائِلِينَ: لَئِنْ جَاءَتْنَا آيَةٌ لَنُؤْمِنَنَّ بِهَا وَبِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقِ الرَّسُولِ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَمَا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى. وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَوَدُّونَ إِجَابَةَ اقْتِرَاحِهِمْ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا تُفْضِي إِلَى إِيمَانِهِمْ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ خَطَأَ ظَنِّهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} نَفَى عَنْهُمُ الشُّعُورَ بِسُنَّتِهِ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُعَانِدِينَ وَمَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِمْ إِذَا رَأَوْا آيَةً تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْتَقِدُونَ وَمَا يَهْوَوْنَ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهَا بِقَصْدِ الْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ، فَيَحْمِلُونَهَا عَلَى خِدَاعِ السِّحْرِ وَأَبَاطِيلِهِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ. وَبَعْدَ بَيَانِ سُنَّتِهِ تَعَالَى فِيهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الْمُقْتَرَحَةِ صَرَّحَ بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} فَرَأَوْهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ بِأَعْيُنِهِمْ وَسَمِعُوا شَهَادَتَهَا لَكَ بِالرِّسَالَةِ بِآذَانِهِمْ {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} مِنْهُمْ بِإِحْيَائِنَا إِيَّاهُمْ آيَةً لَكَ وَحُجَّةً عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتَ بِهِ عَنِ اللهِ تعالى مِنْ أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا لِلْإِنْسَانِ {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} أَيْ وَجَمَعْنَا كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ غَيْرَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَوْتَى فَسُقْنَاهُ وَأَرْسَلْنَاهُ عَلَيْهِمْ مُقَابِلًا لَهُمْ، أَوْ كَافِلًا لِصِحَّةِ دَعْوَاكَ، أَوْ قَبِيلًا قَبِيلًا {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} أَيْ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَلَا مُقْتَضَى اسْتِعْدَادِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا، وَنَفْيُ الشَّيْءِ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ الْفِعْلِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآيَاتِ نَظَرَ اسْتِدْلَالٍ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا نَظَرَ مَنْ جَاءَهُ وَلِيٌّ يُرِيدُ نَصْرَهُ وَإِغَاثَتَهُ وَإِخْرَاجَهُ مِنْ ضِيقٍ نَزَلَ بِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ عَدُوٌّ يُهَاجِمُهُ لِيُوقِعَهُ بِهِ وَيَسْلُبَهُ مَا بِيَدِهِ فَيَنْبَرِي لِقِتَالِهِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ إِنَّمَا أَنَا وَلِيٌّ نَصِيرٌ، لَا عَدُوٌّ مُغِيرٌ، ظَنَّ أَنَّهُ يَخْدَعُهُ بِقَوْلِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَى قَتْلِهِ قَتَلَهُ، لَا يَعْقِلُ غَيْرَ هَذَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُبُلًا} قَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ هُنَا وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ فِيهِمَا، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو كَالْأَوَّلِينَ هُنَا وَكَالْآخِرِينَ فِي الْكَهْفِ. قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُقَابَلَةُ وَالْمُوَاجَهَةُ بِالشَّيْءِ، وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّلَائِلِ مُوَاجَهَةً وَمُعَايَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّ الْأُولَى جَمْعُ قَبِيلٍ فَهُوَ كَقُضُبٍ وَرُغُفٍ- بِضَمَّتَيْنِ فِيهِمَا- جَمْعُ قَضِيبٍ وَرَغِيفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبِيلًا قَبِيلًا وَصِنْفًا صِنْفًا، أَيْ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُ عَلَى حِدَةٍ، وَمِنِ اسْتِعْمَالِ مُفْرَدِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ اقْتِرَاحِهِمُ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [17: 92] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْكَفِيلُ، أَيْ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا ذُكِرَ كُفَلَاءَ يَضْمَنُونَ لَهُمْ صِحَّةَ مَا جِئْتَ بِهِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ، وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَعَانِي لِلْقِرَاءَتَيْنِ مُتَّفَقٌ يُؤَيِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ تعالى: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} فَقِيلَ: هُوَ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنْ شَاءَ إِيمَانَ أَحَدٍ مِنْهُمْ آمَنَ، وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ أَوِ الْأَوْقَاتِ، وَالْمُرَادُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ مَا دَامُوا عَلَى صِفَاتِهِمُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا فِي زَمَنِ اقْتِرَاحِ الْآيَاتِ لَا يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُزِيلَهَا فَعَلَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ الْجَزْمِ بِعَدَمِ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْعِنَادِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْمُكَابَرَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعَالَى فِي فَقْدِهِمُ الِاسْتِعْدَادَ لِلْإِيمَانِ جَارِيَةٌ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى كَكُلِّ مَا يَجْرِي فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَلَوْ شَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكَانَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَشَاءُ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِسُنَنِهِ، وَتَبْدِيلٌ لِطِبَاعِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ خَلْقِهِ- الْإِنْسَانِ- فَهُوَ إِذًا مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِنَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ، وَالْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ يُعِدُّ مِنْ هَذَا التَّأْكِيدِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [87: 6، 7].
فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَنْسَى أَلْبَتَّةَ، وَقَدْ يُفَسَّرُ بِهِ مَا اسْتَشْكَلُوهُ وَذَهَبُوا الْمَذَاهِبَ فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ آيَتَيْ سُورَةِ هُودٍ: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [11: 107] وَلَا حُجَّةَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا لِلْجَبْرِيَّةِ عَلَى جَبْرِهِمْ، وَلَا لِلْقَائِلِينَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى لِلشَّرِّ وَلَا لِمُنْكِرِيهِ، فَكُلُّ مَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ مِنْ أَعْمَالِ الْبَشَرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا جَارٍ بِنِظَامٍ وَسُنَنٍ حِكْمِيَّةٍ وَكُلُّهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَمَا هُوَ شَرٌّ مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِقُبْحِهِ وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِهِمْ بِهِ وَعِقَابِهِمْ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ مَا قَالَتْهُ تِلْكَ الْفِرَقُ كَمَا بَيَّنَاهُ مِرَارًا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ وَفِي مَبَاحِثَ أُخْرَى مِنَ الْمَنَارِ.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} سُنَنَ اللهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ وَانْطِبَاقَهَا عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، لِذَلِكَ يَتَمَنَّى بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ يُؤْتَى مُقْتَرِحُو الْآيَاتِ مَا اقْتَرَحُوهُ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ سَبَبًا لِإِيمَانِهِمْ، وَلَيْسَتِ الْآيَاتُ بِمُلْزِمَةٍ وَلَا مُغَيِّرَةٍ لِطِبَاعِ الْبَشَرِ فِي اخْتِيَارِ مَا تَرَجَّحَ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ نَظَرِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، وَلَوْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى لَجَعَلَهَا كَذَلِكَ، وَلَوْ شَاءَ أَيْضًا لَخَلَقَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِ الْبَشَرِ خَلْقًا لَا عَمَلَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا اخْتِيَارَ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُونَ مُحْتَاجِينَ إِلَى رُسُلٍ، بَلْ لَا يَكُونُونَ هُمْ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْخَلْقِ الَّذِي سُمِّيَ الْإِنْسَانَ.
ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ قَطْعًا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُقْتَرِحِينَ الْمُعَانِدِينَ مِنَ الَّذِينَ فَقَدُوا الِاسْتِعْدَادَ لِلْإِيمَانِ وَالِاسْتِعْدَادَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا فِي الْكَافِرِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ- كَالْجُمَلِ قَبْلَهَا- وَلَا شَكَّ أَنَّ جَهْلَهُمْ عَظِيمٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي غَيْرِهِ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ إِسْنَادُ الْجَهْلِ إِلَى أَكْثَرِهِمْ وَهُوَ عَامٌّ شَامِلٌ لَهُمْ، وَلاسيما إِذَا أُرِيدَ بِهِمُ الْمُسْتَهْزِئُونَ الْخَمْسَةُ خَاصَّةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السِّيَاقِ مِنْ آخِرِ الْجُزْءِ السَّابِعِ، وَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، فَقَدْ كَانُوا أَجْهَلَ الْقَوْمِ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ وَأَشَدَّهُمْ جَهْلًا عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَمَّا تَضَمَّنَ الْقَوْلُ السَّابِقُ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ الْمُقْتَرِحِينَ لِلْآيَاتِ أَعْدَاءٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا اقْتَرَحُوا مَا اقْتَرَحُوا إِلَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْتَوْنَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَابًا لِلطَّعْنِ فِي رِسَالَتِهِ- أَرَادَ اللهُ تَعَالَى تَسْلِيَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ بِبَيَانِ أَنَّ تِلْكَ سُنَّتُهُ فِي جَمِيعِ النَّبِيِّينَ فَقَالَ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} أَيْ وَكَمَا جَعَلْنَا هَؤُلَاءِ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ أَعْدَاءً لَكَ، جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ جَاءَ قَبْلَكَ أَعْدَاءً هُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَالْعَدُوُّ ضِدُّ الصَّدِيقِ وَالْحَبِيبِ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [26: 77] وَلِذَلِكَ بَيَّنَ الْعَدُوَّ هُنَا بِأَنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَشَيَاطِينُ بَيَانٌ لِـ {عَدُوًّا} أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَعَلْنَا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَعْدَاءً لِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى. ذَهَبَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْإِنْسَ بِالْوَسْوَسَةِ لَهُمْ، وَبِشَيَاطِينِ الْجِنِّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْجِنَّ كَذَلِكَ، وَكُلُّهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِنْسِ شَيَاطِينُ. وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [2: 14] الْآيَةَ. وَالصَّوَابُ مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَهُوَ أَنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ وَمِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينَ وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَرْفُوعِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ عَقِبَ صَلَاةٍ «يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟- قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَهُوَ شَيْطَانٌ.